ما يحققه المغرب اليوم في المجال الرياضي، من إنجازات وانتصارات هو حصيلة رؤية استراتيجية امتدت لسنوات، جعلت من الرياضة خياراً تنموياً، ومن كرة القدم مشروعاً وطنياً متكاملاً، وهو ما يعود الفضل فيه إلى الرؤية التي قادها صاحب الجلالة الملك محمد السادس.
لقد انتقل المغرب، خلال العقدين الأخيرين، من تدبير الرياضة بمنطق المناسبات إلى منطق بناء منظومة كاملة، تبدأ من البنيات التحتية، وتمر عبر التكوين والتأطير، ولا تنتهي عند الحكامة والاحتراف والاستثمار في الإنسان. هذا التحول كان ثمرة إرادة سياسية واضحة اعتبرت أن الرياضة إحدى واجهات قوة الدولة الحديثة، وأداة من أدوات إشعاعها الدولي.
ولعل أفضل دليل على ذلك أن المغرب نجح في بناء نموذج رياضي متكامل. فقد أصبحت المملكة تتوفر على ملاعب حديثة، ومراكز تكوين بمواصفات عالمية، وأكاديميات لإعداد المواهب، ومنظومة متطورة للطب الرياضي، فضلاً عن احتضانها المتزايد لأكبر التظاهرات القارية والدولية. والأهم من ذلك أن هذه المشاريع لم تُبن من أجل حدث واحد، وإنما لتكون استثماراً طويل الأمد في المستقبل.
إن ما تحقق مع المنتخب الوطني لكرة القدم حتى اليوم هو نتيجة طبيعية لهذا المسار. فمن كان يتابع كرة القدم المغربية قبل سنوات يتذكر جيداً أن مجرد التأهل إلى نهائيات كأس العالم كان يعتبر إنجازاً تاريخياً، وأن الفوز على منتخب أوروبي أو أمريكي جنوبي في مباراة رسمية كان يُصنف ضمن المفاجآت النادرة التي تتناقلها الصحف لسنوات. أما اليوم، فقد تغيرت المعايير كليا.
اليوم، يدخل المنتخب المغربي أي بطولة وهو يحمل طموح المنافسة، لا المشاركة. وأصبح الحديث داخل البيوت المغربية يدور حول إمكانية بلوغ النهائي أو حتى الفوز بكأس العالم. وهذا التحول في سقف الطموح يعكس الثقة التي راكمتها الإنجازات، والاحترام الذي فرضه المغرب على الساحة الكروية الدولية.
هذه الثقة الشعبية هي انعكاس لما يراه المغاربة بأعينهم. فهم يشاهدون منتخباً يواجه أكبر المدارس الكروية بندية، ولا يخشى أسماء المنتخبات الكبرى. ويشاهدون لاعبين مغاربة يتألقون في أقوى البطولات العالمية، ومنتخبات للفئات السنية تحقق نتائج لافتة، ومنتخباً أولمبياً ينافس على أعلى المستويات، ومنتخباً نسوياً يفرض حضوره قارياً وعالمياً. إنها مؤشرات تؤكد أن النجاح يرتبط بمنظومة كاملة تنتج التميز بشكل مستمر.
والأهم من كل ذلك أن المغرب لم يستثمر في كرة القدم وحدها، بل جعل الرياضة رافعة للتنمية. فالمنشآت الرياضية الكبرى خلقت فرصاً اقتصادية، ورفعت جاذبية المدن، وأسهمت في تنشيط السياحة والاستثمار، كما أصبحت المملكة وجهة موثوقة لتنظيم التظاهرات الدولية، وهو ما عزز صورتها كبلد قادر على الجمع بين الكفاءة التنظيمية والاستقرار السياسي والرؤية المستقبلية.
ومن تتبع احتضان كأس افريقيا ومن يتأمل اليوم الاستعدادات الضخمة لاحتضان كأس العالم 2030 يدرك أن الأمر يتعلق بمشروع وطني واسع يعيد تشكيل البنية التحتية، ويطور شبكات النقل، ويحدث الملاعب، ويخلق دينامية اقتصادية تمتد آثارها لعقود. فالدول الكبرى تستثمر في الرياضة لأنها صناعة واقتصاد وقوة ناعمة ورسالة حضارية.
لقد أصبح المغرب بفضل السياسة الملكية يتحدث بلغة مختلفة. فبدلاً من انتظار اعتراف الآخرين، بات يصنع هذا الاعتراف بإنجازاته. وبدلاً من الاكتفاء بمجاراة التطور العالمي، أصبح يشارك في صناعته. وهذا ما يفسر المكانة التي بات يحتلها داخل المؤسسات الرياضية الدولية، والثقة التي يحظى بها لدى مختلف الهيئات القارية والعالمية.
يقاس التحول الحقيقي الذي شهده المغرب بتغيير الثقافة الرياضية نفسها. لقد أصبح الطفل المغربي يحلم بأن يصل إلى أعلى المستويات لأنه يرى أمامه نموذجاً ناجحاً. وأصبحت الأندية تدرك أهمية التكوين، وأصبحت الجماهير تؤمن بأن الإنجاز ليس استثناءً، بل يمكن أن يتحول إلى قاعدة إذا استمرت المنظومة في التطور.
ومن هنا، فإن كلمة “شكراً جلالة الملك” هي اعتراف بأن المشاريع الكبرى للمغرب الرياضي كما باقي المشاريع الكبرى تقودها رؤية ملكية متبصرة تحمي استمراريتها، وإرادة تجعلها تتجاوز منطق التدبير اليومي نحو بناء المستقبل. وما تحقق في الرياضة المغربية يؤكد أن الاستثمار طويل النفس، عندما يقترن بالتخطيط والمتابعة والحكامة، قادر على تغيير صورة بلد بأكمله.
لقد أصبح المغرب اليوم رقماً صعباً في كرة القدم العالمية، لأن الدولة اختارت أن تجعل من الرياضة مشروعاً وطنياً متكاملاً. ولذلك، فإن ما يعيشه المغاربة اليوم من ثقة وهم يتابعون منتخبهم الوطني هو ثمرة سنوات من العمل الهادئ والمتواصل. ومن كان بالأمس يحتفل فقط بالتأهل إلى كأس العالم، أصبح اليوم يحلم، بثقة ومسؤولية، برؤية الكأس الأغلى وهي تُرفع بأيدٍ مغربية. وذلك، في حد ذاته، أكبر دليل على حجم التحول الذي عرفته المملكة، فشكرا جلالة الملك لأنك جعلتنا نثق بأنفسنا.