شوف بريس
  • A- A+

    شقير يكتب: المدن المغربية بين الصخب والضوضاء

  • شقير يكتب: المدن المغربية بين الصخب والضوضاء

    شوف تيفي
    لا يمكن اعتبار المدن المغربية من أصخب المدن إقليمياً أو دولياً إذا اعتمدنا على القياسات العلمية لمستويات الضوضاء. فمدن كبرى في جنوب آسيا مثل مومباي وكراتشي ودكا، وبعض مدن الشرق الأوسط وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، تسجل عادة مستويات ضجيج أعلى بسبب الكثافة السكانية الهائلة، وحجم حركة المرور، والصناعة. لكن الإحساس اليومي بالضوضاء، يجعل كثيراً من المغاربة يشعرون بأن مدنهم أصبحت أكثر صخباً خلال العقدين الأخيرين، وذلك لعدة أسباب مادية واجتماعية.

  • 1-بنيات الضجيج والضوضاء بالمدن المغربية

    ارتبط الضوضاء في المدن المغربية بعوامل متعددة، و التي لا يمكن اختزالها في سبب واحد. فهي نتيجة تفاعل التحضر السريع، وأنماط السلوك الاجتماعي، وضعف التنظيم الحضري. حيث يمكن تصنيف أهم الأسباب إلى ما يلي:

    أولاً: العوامل الحضرية

    يتمثل ذلك في عدة مظاهر من أبرزها التوسع العمراني السريع، حيث تنمو المدن بوتيرة أسرع من تطور البنية التحتية. فاختلاط الأحياء السكنية بالمحال التجارية والورشات والمقاهي، بالاضافة إلى الازدحام المروري بسبب الارتفاع الكبير في عدد السيارات والدراجات النارية، عادة ما يؤدي إلى الاختناقات المرورية التي تؤدي إلى كثرة استعمال المنبهات.. بالإضافة إلى أن جل المدن في أوراش بناء متواصلة من خلال الأشغال المستمرة والبناء والهدم وإصلاح الطرق داخل الأحياء السكنية. فاستعمال المعدات الثقيلة في أوقات قد تكون غير مناسبة يزيد من الإحساس العام بالضوضاء والصخب، خصوصا مع قلة الفضاءات الخضراء. فالأشجار والحدائق تخفف من انتشار الموجات الصوتية، بينما تقل هذه المساحات في عدد من المدن المغربية. كما تتميز جل المدن بضعف العزل الصوتي للمباني، فكثير من العمارات لا توفر عزلاً جيداً للصوت، مما يجعل الضجيج ينتقل بسهولة بين الشقق أو من الشارع إلى الداخل. خاصة وأن ضعف العزل الصوتي في جزء من عمارات السكن الاقتصادي ساهم في زيادة الإحساس بالضوضاء داخل المدن المغربية. ولعل من أبرز الأسباب التي تجعل هذه المشكلة أكثر وضوحاً في بعض مشاريع السكن الاقتصادي: رقة الجدران الفاصلة مقارنة ببعض المباني ذات الجودة الأعلى، و ضعف عزل الأرضيات والأسقف، مما يجعل أصوات المشي وجر الأثاث وسقوط الأشياء تنتقل إلى الشقق المجاورة. وكذا تقارب العمارات والشقق، بحيث تكون النوافذ والشرفات متقابلة وعلى مسافات قصيرة. بالإضافة إلى الكثافة السكانية المرتفعة، فعدد الأسر في البناية الواحدة يكون كبيراً، وبالتالي تتضاعف مصادر الضجيج. إلى جانب الاستعمال المختلط للمباني، إذ توجد أحياناً محلات تجارية أو مقاهٍ أو ورشات في الطابق الأرضي تحت الشقق. غير أنه من الناحية الاجتماعية، تظهر ظاهرة أخرى، وهي أن سكان هذه العمارات يعيشون في تقارب مكاني شديد مع ضعف في الخصوصية السمعية. فيسمع الجار حديث الأسرة المجاورة، و التلفاز، و بكاء الأطفال، واستعمال الأجهزة المنزلية، و نباح الكلاب إن وجدت، و تحريك الأثاث. وهذا يولد شعوراً دائماً بأن الضوضاء مرتفعة، حتى لو لم تكن الأصوات الخارجية استثنائية. فانتشار السكن الاقتصادي في المدن المغربية غيّر أيضاً العلاقة بالصوت. فالكثير من الأسر انتقلت من دور مستقلة أو أحياء أقل كثافة إلى عمارات تضم عشرات الأسر، حيث أصبح الهدوء يعتمد على سلوك جميع الجيران، لا على الأسرة وحدها. لذلك أصبح احترام الهدوء داخل العمارة جزءاً من ثقافة العيش المشترك التي ما زالت في طور التشكل. ولعل ما يفاقم من هذا الوضع أن ما يميز كثيراً من المدن المغربية ليس فقط مستوى الضوضاء، بل تعدد مصادرها وتزامنها في الوقت نفسه. ففي شارع واحد قد يجتمع: ازدحام السيارات والدراجات النارية وأبواق السيارات والباعة الجائلون والمقاهي، وأشغال البناء، ونداءات المساجد في أوقات محددة، وأحياناً نباح الكلاب. و هذا “التراكم الصوتي ” يجعل الإحساس بالصخب أكبر .

    ثانياً: الأسباب الاجتماعية والثقافية

    في كثير من التفاعلات اليومية داخل فضاءات المدن المغربية، يعد رفع الصوت أمراً عادياً وليس سلوكاً مستهجناً. بالإضافة إلى الاستعمال المفرط لمنبه السيارات، حيث يستخدم أحياناً للتحية أو لطلب الإسراع أو التعبير عن الانزعاج، وليس فقط لتفادي الخطر. كما أن كثرة المقاهي مع متابعة المباريات أو تشغيل الموسيقى ترفع مستوى الضوضاء، خاصة ليلاً. ومما يزيد من هذا الصخب الحضري هو استعمال مكبرات الصوت في الأحياء السكنية حتى ساعات متأخرة. وكثرة الباعة الجائلون الذي يعتمد بعضهم على النداء المسجل المرتفع أو مكبرات الصوت لجذب الزبائن. ومما يزيد من هذا الصخب الحضري داخل المدن انتشار الدراجات النارية المعدلة مع إزالة كاتم الصوت أو تعديله لإصدار صوت مرتفع، بالإضافة إلى تربية الكلاب في بعض الأحياء، حيث يؤدي النباح المتكرر إلى إضافة مصدر جديد للضوضاء، خصوصاً ليلاً. فالنباح المتكرر، خاصة أثناء الليل في العمارات ذات الكثافة السكانية العالية، أو عند ترك الكلاب في الشرفات أو الأسطح لفترات طويلة، أو عند خروج أصحابها بها دون التحكم في سلوكها، يمكن أن يصبح مصدراً دائماً للإزعاج، مما قد ينعكس سلباً على راحة السكان وجودة النوم. ومن ثم، فإن انتشار تربية الكلاب في المدن، وهو سلوك أصبح أكثر شيوعاً في السنوات الأخيرة، قد يزيد من مستوى الضجيج في بعض الأحياء، وإن كان ليس عادة المصدر الرئيسي مقارنة بحركة المرور. وبالتالي، فإن مدناً مثل الدار البيضاء، سلا، الرباط، طنجة، وفاس ، والتي لا تُصنف عادة ضمن المدن الأكثر ضوضاء في العالم. تعرف مستويات مرتفعة من الضجيج في بعض المحاور والأحياء.

    ثالثاً: الأسباب المؤسسية

    إن الإطار القانوني المغربي يتضمن مقتضيات يمكن أن تطبق على حالات الضوضاء والإزعاج، لكنه لا يُنظر إليه غالباً على أنه نظام متكامل وفعال لمكافحة التلوث الضوضائي. كما أن الإشكال الأكبر يكمن في التطبيق والمراقبة أكثر من غياب أي نصوص قانونية. إذ توجد قواعد متفرقة يمكن الاستناد إليها، مثل مقتضيات حماية البيئة من التلوث، وبعض النصوص المتعلقة بالصحة العامة والشرطة الإدارية، و قوانين السير التي تمنع الاستعمال غير المبرر لمنبهات السيارات، و مقتضيات قانونية تجرم بعض صور إزعاج الجيران أو الإخلال بالراحة العامة بحسب الظروف. لكن هذه النصوص تعاني من عدة نقاط ضعف تتمثل في عدم وجود سياسة وطنية واضحة للتلوث الضوضائي كما هو الحال بالنسبة لتلوث الهواء أو تدبير النفايات. وكذا ضعف المراقبة مع غياب خرائط حضرية لمستويات الضجيج تساعد في التخطيط واتخاذ القرار. إذ نادراً ما تقاس مستويات الضوضاء بأجهزة متخصصة. كما تعتمد التدخلات غالباً على الشكايات مع صعوبة إثبات أن الضوضاء تجاوزت الحدود المقبولة، خاصة داخل العمارات. إلى جانب ذلك هناك تعدد الجهات المتدخلة، إذ تتداخل اختصاصات الجماعات الترابية والسلطات المحلية والأمن والجهات البيئية، مما قد يؤدي إلى بطء التدخل. كما أن هناك ضعف الوعي المجتمعي بخطورة الضوضاء، إذ لا يزال كثير من الناس ينظرون إلى الضوضاء كسلوك يومي عادي وطبيعي ويدخل ضمن الحرية الشخصية.

    2-ثقافة التواصل بالمدن المغربية

    يلاحظ بعض الباحثين أن الضجيج في المدن المغربية لا يرتبط فقط بالبنية التحتية للصخب والضوضاء، بل أيضاً بثقافة التواصل في الفضاء العام.

    -تمثلات المغاربة للمجال العمومي والمشترك
    في ثقافات حضرية ترسخت فيها فكرة أن الشارع فضاء مشترك يجب احترام هدوئه، يميل الأفراد إلى خفض أصواتهم تلقائياً. أما عندما يُنظر إلى الفضاء العمومي باعتباره امتداداً للمجال الخاص، فإن رفع الصوت، واستعمال المنبهات بكثرة، وتشغيل الموسيقى بصوت مرتفع تصبح ممارسات أكثر شيوعاً. وهذا ما يتكرس في السلوك اليومي للمغاربة. وبالتالي، فشيوع هذه الظاهرة في بعض الفضاءات العمومية المغربية يرتبط بعدة عوامل :

    أولاً: ثقافة التواصل الشفهي في المجتمع المغربي، شأنه شأن عدد من مجتمعات البحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا، يعتمد كثيراً على التواصل الشفهي المباشر. وفي هذه الثقافات لا يُنظر دائماً إلى رفع الصوت باعتباره عدوانية، بل قد يُفهم على أنه تعبير عن الحماس أو الاندماج في الحديث.
    ثانياً: طبيعة الفضاء العمومي ، حيث أن الأسواق، والمقاهي، ومحطات النقل، والأحياء الشعبية هي فضاءات تعج بالحركة والأصوات. وعندما يكون المحيط صاخباً، يميل الأفراد تلقائياً إلى رفع أصواتهم حتى يسمعهم من يحاورونه، وهي ظاهرة معروفة في علم النفس السمعي.

    ثالثاً: ضعف ترسخ ثقافة “الهدوء الحضري” ، ففي بعض المدن التي شهدت تحضراً سريعاً، لم تتطور بالوتيرة نفسها قواعد غير مكتوبة تحكم استعمال الفضاء العام، مثل خفض الصوت، واحترام طوابير الانتظار، أو تجنب استعمال المنبهات دون ضرورة. وهذه القواعد تُكتسب تدريجياً عبر التربية والمدرسة والإعلام والممارسة اليومية.

    رابعاً: الكثافة والازدحام ، حيث عندما تكون الأرصفة والأسواق والمقاهي مكتظة، يصبح الصوت وسيلة لإثبات الحضور أو لجذب الانتباه، سواء في الحديث أو في التجارة.

    خامساً: محدودية الوعي بالتلوث السمعي إذ كثير من الناس لا ينظرون إلى الضوضاء على أنها شكل من أشكال التلوث يمكن أن يؤثر في راحة الآخرين وصحتهم، بل يعتبرونها جزءاً عادياً من الحياة اليومية.

    -ثقافة أنا أرفع صوتي فأنا حاضر وموجود

    في علم الاجتماع، توجد فكرة تعرف أحياناً بـ”إظهار الحضور الاجتماعي” (social presence)،) أي أن بعض الأفراد يعبرون عن حضورهم داخل الجماعة من خلال الصوت، والحركة، وطريقة الكلام. وفي بعض البيئات، يصبح رفع الصوت وسيلة لإيصال رسالة ضمنية مفادها: “أنا حاضر، وأنا مشارك، وأنا مؤثر.” ولعل هذا ينطبق بشكل ملفت في السياق الاجتماعي المغربي. حيث يتجلى ذلك في عدة مظاهر: منها التحدث بصوت مرتفع في المقاهي أو الأسواق لإظهار الثقة بالنفس أو لفرض الحضور داخل المجموعة، و الضحك المرتفع أو المناداة من مسافات بعيدة، أو استعمال منبه السيارة حتى عندما لا تكون هناك ضرورة مرورية. وكذا تشغيل الموسيقى بصوت مرتفع في السيارة أو المنزل أو أثناء المناسبات. ولعل مما يزيد من تكريس هذا السلوك والرغبة في “إثبات الوجود”. أنها تتداخل معها عوامل أخرى مثل: الاعتياد على بيئات صاخبة، فيرفع الشخص صوته دون وعي. واعتبار رفع الصوت أمراً عادياً في التواصل اليومي. و غياب معايير اجتماعية قوية تجعل خفض الصوت علامة على التحضر أو احترام الفضاء المشترك. فمن منظور عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، يمكن النظر إلى بعض هذه السلوكيات باعتبارها جزءاً من الهابيتوس Habitus)،) أي العادات المكتسبة التي يمارسها الأفراد تلقائياً لأنها أصبحت جزءاً من أسلوب حياتهم، وليس لأنها قرارات واعية في كل مرة. كما يمكن الاستفادة من أفكار إرفنغ غوفمان، الذي رأى أن الحياة اليومية تتضمن نوعاً من “إدارة الانطباع”، حيث يسعى الأفراد إلى تقديم أنفسهم أمام الآخرين بطرق مختلفة. وفي بعض البيئات قد يكون الصوت المرتفع إحدى وسائل هذه الإدارة، لكنه ليس الوسيلة الوحيدة. من هنا يمكن القول أنه في بعض السياقات الاجتماعية المغربية، قد يؤدي رفع الصوت وظيفة رمزية تتمثل في تأكيد الحضور الاجتماعي وجذب الانتباه وإبراز المكانة داخل الجماعة، لكنه ليس دافعاً عاماً أو وحيداً، بل يتفاعل مع الثقافة المحلية، وطبيعة الفضاء العمومي، ومستوى الضوضاء المحيط، وأنماط التنشئة الاجتماعية.

    وبالتالي ، يمكن القول إن هذا السلوك يصبح أقرب إلى التعبير عن المكانة أو النفوذ عندما يُستخدم الصوت المرتفع بصورة متكررة وغير ضرورية، رغم إدراك صاحبه أنه يزعج الآخرين، لأنه في هذه الحالة لا يؤدي وظيفة تقنية، بل يؤدي أيضاً وظيفة رمزية تتعلق بإبراز الذات أو فرض الحضور في الفضاء العمومي.

    -استعمال منبه السيارة أو مكبر الصوت للفت الانتباه من منظور علم الاجتماع، يمكن أن تؤدي بعض السلوكيات الصوتية أكثر من وظيفة في الوقت نفسه، منها الوظيفة العملية (التنبيه أو التواصل) والوظيفة الرمزية (إظهار الحضور أو المكانة).فبالنسبة لمنبه السيارة الذي تكمن وظيفته الأصلية في التحذير من خطر وشيك يتحول في بعض السياقات المغربية إلى آلية للتفاعل والتنافس في الفضاء العمومي، فبالاضافة إلى استعمال الكلاكسون من طرف بعض السائقين لتبادل التحية، والإعلان عن الوصول أثناء مواكب الأعراس أو الاحتفالات، يتحول أحياناً لإظهار النفوذ أو الاستعجال، وكأن صاحب السيارة يقول للآخرين: “افسحوا لي الطريق.” في هذه الحالات، يتحول الكلاكسون من أداة سلامة إلى وسيلة للتواصل الاجتماعي أو لفرض الحضور. وعادة ما يلاحظ ذلك في الشارع العام حيث يتحول الكلاكسون في بعض الحالات إلى أداة للتفاوض على المجال العمومي. فالطريق ليس مجرد فضاء مادي، بل هو أيضاً فضاء تتفاعل فيه الإرادات والمصالح، ويستخدم فيه السائقون وسائل مختلفة للتأثير في سلوك الآخرين. إذ يمكن أن يؤدي الكلاكسون في هذه الحالات وظائف مثل:
    -فرض الأسبقية من خلال استعماله للضغط على السائق أو الراجل حتى يفسح الطريق، حتى عندما لا تكون الأولوية القانونية لصاحب منبه السيارة.

    -إظهار الاستعجال من خلال إيصال رسالة مفادها أن وقت السائق أهم من وقت الآخرين.

    – التعبير عن القوة أو النفوذ خاصة عندما يستعمل بشكل متكرر أو عدواني في مواجهة مستعملي الطريق الآخرين.

    -الهيمنة الرمزية على المجال من خلال احتلال المجال السمعي للشارع بحيث يفرض السائق حضوره على الجميع.

    من هنا ، يمكن اعتبار الكلاكسون أحياناً لغة غير لفظية بين السائقين. فهو لا ينقل فقط معلومة (“انتبه”)، بل قد ينقل أيضاً رسائل مثل: “تحرك.””أنت تعطلني.””أنا أولى بالمرور.” “اعترف بحقي في الطريق.”وعندما تصبح هذه الرسائل هي الاستخدام الغالب، يتحول الكلاكسون من أداة للسلامة إلى أداة للتنافس على المكانة والحيز داخل الفضاء المروري.

    أما مكبرات الصوت التي قد تستعمل لأغراض مشروعة وقانونية ، لكن في بعض المناسبات يتحول ارتفاع الصوت إلى وسيلة لإظهار الحدث أمام الآخرين، سواء تعلق الأمر بحفل زفاف أو احتفال عائلي أو نشاط تجاري. هنا قد تكون الرسالة الضمنية: “انظروا إلينا” أو “حدثنا يستحق أن يلفت انتباه الجميع”.ومن منظور سوسيولوجي، يمكن تفسير ذلك من خلال مفهوم التنافس الرمزي على الفضاء العمومي. فالصوت المرتفع قد يصبح وسيلة لاحتلال المجال العام، ليس مادياً فقط، بل سمعياً أيضاً. أي أن الفرد أو المجموعة لا تكتفي بإشغال حيز من المكان، بل تفرض حضورها على كل من يوجد في نطاق السمع.

    وعموما ، فإن الحد من الضوضاء لا يتحقق فقط بسن القوانين، بل أيضاً بترسيخ ثقافة تعتبر أن الاحترام الحقيقي للحضور في الفضاء العمومي لا يكون بعلو الصوت، وإنما باحترام حق الآخرين في الهدوء.وبالتالي ، فمع اقتراب تنظيم المغرب لكأس العالم 2030، بات من الملح أن يصبح موضوع “التلوث الضوضائي “أكثر حضوراً في السياسات الحضرية، لأن جودة الحياة في المدن لم تعد تقاس بالنظافة والتنقل فقط، بل أيضاً بمستوى الهدوء واحترام المجال السمعي للسكان. لذا فإن الحد من الضوضاء قد يصبح جزءاً من جهود تحسين صورة المدن المغربية ورفع جاذبيتها للسكان والزوار. لذلك فإن معالجة الضوضاء في المغرب ليست مسألة هندسية أو قانونية فقط، بل هي أيضاً قضية ثقافة مدنية وسلوك حضري يتطلبان التربية والتوعية إلى جانب التخطيط العمراني وإنفاذ القانون. فتحسين جودة الحياة في المدن المغربية لا يرتبط فقط بتحسين الطرق أو النقل، بل أيضاً بـ:

    *اعتماد معايير أفضل للعزل الصوتي في البناء.

    *تشديد مراقبة جودة الإنجاز.

    *وضع أنظمة داخلية للعمارات تنظم أوقات الأشغال والضوضاء.

    *نشر ثقافة احترام الجوار والهدوء داخل الفضاءات السكنية.

    فمع استمرار التوسع الحضري في المغرب، سيصبح العزل الصوتي عنصراً لا يقل أهمية عن العزل الحراري، لأنه يؤثر مباشرة في الصحة النفسية، وجودة النوم، والتركيز، والشعور بالراحة داخل المسكن. فقد أشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن التعرض المستمر للضوضاء قد يؤثر في النوم، والتركيز، والصحة النفسية، وقد يرتبط على المدى الطويل ببعض المشكلات الصحية. للضوضاء آثار صحية موثقة علمياً، وتكون أشد على الفئات الهشة مثل كبار السن، والمرضى، والأطفال. ولهذا تعتبر منظمة الصحة العالمية التلوث الضوضائي أحد أهم الملوثات البيئية في المدن. فكبار السن أكثر حساسية للضجيج بسبب التغيرات المرتبطة بالتقدم في العمر، ويمكن أن يؤدي التعرض المستمر للضوضاء إلى:اضطرابات النوم والأرق ، و ارتفاع مستويات التوتر والقلق ، وارتفاع ضغط الدم لدى بعض الأشخاص ، و زيادة العبء على القلب والأوعية الدموية عند التعرض المزمن لمستويات مرتفعة من الضوضاء.، و ضعف التركيز والذاكرة، خاصة لدى من يعانون من تراجع إدراكي.

    كما للضوضاء تأثير سلبي تأثيرها على المرضى خصوصاً المصابين بأمراض مزمنة ، حيث قد تزيد الضوضاء من الضغط النفسي، وهو ما قد يؤثر في بعض الأمراض القلبية والوعائية. كما تعيق النوم، وهو عنصر مهم في التعافي. الشيء الذي قد يؤدي إلى زيادة الشعور بالألم أو الإرهاق لدى بعض المرضى. وبالتالي ، فرغم وجود أمام بعض المستشفيات لافتات تدعو إلى عدم استعمال منبه السيارة، لكن يلاحظ في بعض الأماكن أن جميع السائقين لا يلتزمون بهذه التعليمات. بل قد تمر دراجات نارية صاخبة وفي وقت متأخر من الليل بجوار المستشفى أو عيادة دون تدخل.وهذا يجعل فعالية هذه اللافتات محدودة إذا لم تقترن بالتوعية والرقابة. فلا ينبغي التعامل مع الضجيج إذا كان مرتفعاً ومتكرراً، باعتباره مخالفة مرورية، بل أيضاً باعتباره جزءاً من حماية البيئة العلاجية. فالمستشفى يفترض أن يكون مكاناً يوفر أفضل الظروف الممكنة للتعافي، ومن بينها الحد من الضوضاء. كإنشاء مناطق هدوء حول المستشفيات والعيادات ،و فرض احترام منع استعمال المنبه قرب المؤسسات الصحية. و إدراج التلوث الضوضائي ضمن معايير جودة البيئة الحضرية، خصوصاً في محيط المدارس والمستشفيات ودور رعاية المسنين.

    كما يعتبر الأطفال من أكثر الفئات تأثراً بالضوضاء، لأن جهازهم العصبي ما زال في طور النمو. حيث قد يؤدي تعرضهم المستمر للضوضاء إلى اضطرابات النوم ن وصعوبة التركيز والانتباه ، و انخفاض الأداء الدراسي إذا كانت المدرسة أو المنزل يقعان في بيئة صاخبة. بالإضافة إلى زيادة التوتر والانفعال. كما أنه في حالات التعرض الطويل لضوضاء شديدة جداً، قد تتأثر القدرة السمعية لدى الأطفال . وحتى عند الأشخاص الأصحاء، قد تؤدي الضوضاء المستمرة إلى سرعة الانفعال، و الإرهاق الذهني ، و انخفاض الإنتاجية في العمل أو الدراسة، و الشعور بفقدان الراحة داخل المنزل. لذا ، أصبح عدد متزايد من الباحثين يعتبر الحق في الهدوء جزءاً من الحق في بيئة سليمة وجودة الحياة. فكما يحق للمواطن أن يتنفس هواءً نظيفاً ويشرب ماءً صالحاً، يحق له أيضاً أن يعيش في بيئة لا تعرضه لضوضاء مفرطة تؤثر في صحته وراحته.لذلك، فإن الحد من الضوضاء ليس مسألة راحة فقط، بل هو أيضاً سياسة للصحة العمومية، خاصة مع تزايد نسبة كبار السن في المجتمع، وارتفاع معدلات الأمراض المزمنة، وتوسع المدن. وتشير الأبحاث إلى أن الاستثمار في تخفيض الضوضاء عبر التخطيط الحضري، وتطبيق القوانين، وتحسين العزل الصوتي، ونشر ثقافة احترام الهدوء يمكن أن ينعكس إيجاباً على الصحة الجسدية والنفسية للسكان، ولا سيما الفئات الأكثر هشاشة.
    ومع استعداد المغرب لاحتضان تظاهرات دولية كبرى وتزايد التحضر، قد يصبح من المناسب التفكير في مقاربة أكثر شمولاً، تشمل:

    *وضع خرائط للضوضاء في المدن الكبرى.

    *تحديد مستويات قصوى للضجيج بحسب نوع المنطقة (سكنية، تجارية، صناعية).

    *تشديد مراقبة الدراجات النارية والعوادم المحدثة للضجيج.

    *إدراج معايير إلزامية للعزل الصوتي في البناء.

    *تمكين السلطات المحلية من التدخل السريع عند تكرار شكاوى السكان.
    *إطلاق حملات توعية تعتبر احترام هدوء الجيران جزءاً من السلوك المدني.
    وبذلك، فإن التحدي في المغرب لا يتمثل فقط في سن عقوبات أشد، وإنما أيضاً في بناء ثقافة حضرية تعتبر الهدوء حقاً جماعياً يجب حمايته، تماماً كما يُحمى الحق في النظافة أو السلامة المرورية. وهذا ما ينبغي إدراجه من طرف الجمعيات الحقوقية الوطنية ضمن برامجها ومطالبها.

     

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    شقير يكتب: المدن المغربية بين الصخب والضوضاء