غلاء المعيشة يثقل جيوب مشجعي “أسود الأطلس” في أمريكا
من مدرجات ملاعب كأس العالم إلى شاشات الهاتف، انتقلت معركة جديدة يخوضها المشجع المغربي في الولايات المتحدة، فلم تعد المواجهة مقتصرة على دعم “أسود الأطلس” وتشجيعهم 90 دقيقة بالملعب، بل امتدت إلى مواجهة يومية مع فواتير الفنادق وتذاكر المواصلات وأسعار الوجبات التي وصفتها فيديوهات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي بـ”المُنهكة للميزانية”.
فخلال الأيام الماضية، اجتاحت منصات تيكتوك وإنستغرام والفيسبوك مقاطع لمشجعين مغاربة وثّقوا تجربتهم المعيشية في المدن الأمريكية المستضيفة لمباريات المنتخب الوطني المغربي، مصرحين بأرقام خيالية، تجاوزت كل التوقعات، إذ كشف بعضهم أنه في ظرف وجيز من وصوله لبلاد العام سام أنفق ما يعادل 14 مليون سنتيم، أي 140 ألف درهم، في أقل من أسبوع واحد فقط.
و آخر يستعرض في فيديو فاتورة ليلة واحدة في فندق قريب من الملعب تجاوزت 300 دولار، بينما يشتكي مشجع ثالث وثق تجربته من غلاء تذكرة المترو أو “أوبر” لمسافة قصيرة كاشفا أنها تساوي ثمن وجبة كاملة في المغرب.
صدمة الأسعار من الفندق إلى “القهوة”
السبب الأول في شكوى الجماهير هو السكن بالدرجة الأولى في الفنادق في فترة المونديال التي تشهد ذروة موسمية في الولايات المتحدة الأمريكية، والطلب على الغرف القريبة من الملاعب يرتفع بشكل جنوني، ومعه ترتفع الأسعار، حيث فنادق من فئة 3 نجوم كانت تُعرض بـ80 دولاراً في الأيام العادية، قفز سعرها إلى 250و400 دولار لليلة واحدة، و من لم يحجز قبل أشهر وجد نفسه مضطراً للسكن في ضواحي بعيدة، ثم يدفع الفرق في النقل.
المواصلات نفسها قصة أخرى، حسب ما يحكي المشجعون المغاربة، فمن لا يملك سيارة مستأجرة يعتمد على تطبيقات النقل، والتي تتراوح ما بين 60 إلى 100 دولار للذهاب والإياب من الفندق إلى الملعب، و حتى التنقل داخل المدينة لـ”التجول أو شراء تذكرة مباراة” يكلف مبالغ تتراكم سريعاً، بينما المترو والقطارات متوفرة في مدن مثل نيويورك ولوس أنجلوس، لكن شبكتها لا تغطي كل الملاعب، وغالباً ما يضطر المشجع لدمجها مع “أوبر” للوصول لوجهته.
أما المعيشة اليومية فكانت الصدمة الثالثة التي نزلت على رؤوس المغاربة، فسعر وجبة سريعة لشخص واحد، مع مشروب، يتجاوز 15 دولاراً، فيما القهوة في مقهى شعبي بـ10 دولارات، و علبة ماء في محيط الملعب تجاوزت 8 دولارات، وكل هذه الأرقام الصغيرة، حين تتكرر 3 مرات يومياً ولمدة أسبوع، تتحول إلى “نزيف” مالي، بحسب تعبير أحد المشجعين في فيديو انتشر على نطاق واسع.
بين حلم المونديال وواقع الجيب
الفيديوهات المنتشرة لم تكن مجرد شكوى، كانت توثيقاً لصدمة ثقافية واقتصادية، كثير من المسافرين خططوا للرحلة بناءً على تكلفة تذكرة الطائرة وتذكرة المباراة فقط، و لم يضعوا في الحسبان أن تكلفة “العيش” في أمريكا خلال حدث عالمي ستتجاوز تكلفة السفر نفسها.
والواقع المرير بأرض “العم سام” جعلت ملامح رحلة المشجعين تتغير، و من كان يخطط للبقاء شهراً كاملاً بدأ يحسب أياماً أقل، ومن كان يحلم بحضور 3 مباريات اكتفى بواحدة، وفي مقاطع مؤثرة، ظهر مشجعون يتحدثون بصراحة عن قرار العودة المبكرة إلى المغرب بفعل ما وصفوه بالغلاء “الفاحش” للعيش، ولخصوه في “القلب يريد البقاء والتشجيع، لكن المحفظة تقول ارجع”، قال أحدهم وهو يجر حقيبته في المطار، لم يكن قراراً سهلاً بعد كل عناء السفر وتوفير ثمن التذكرة، لكنه بدا الخيار الوحيد أمام من لم يعد قادراً على “مسايرة إيقاع العيش”، على حد وصفه.
درسٌ باهظ الثمن
تجربة المشجعين المغاربة في أمريكا تفتح نقاشاً أوسع عن كرة القدم، و عن كلفة الشغف في زمن الأحداث العالمية الكبرى، وعن الفارق بين القدرة الشرائية والأسعار في بلدين مختلفين ثقافيا واقتصاديا واجتماعيا، كما أنها درس عملي لمن يفكر في السفر خلف المنتخب مستقبلاً: الميزانية يجب أن تُحسب باليوم، لا بالمباراة.
ورغم مرارة الشكوى، بقي عنصر ثابت في كل الفيديوهات: الفخر بالمنتخب الوطني حتى من قرر العودة، ختم مقطعه بهتاف “ديما مغرب”، كأنهم يقولون إن غلاء أمريكا قد يهزم الجيب، لكنه لا يهزم الحماس وشغف حب المنتخب المغربي الذي يقدم عروضا أبهرت كل العالم، ويقول للجميع أنا هنا قادم بقوة والمستحيل ليس مغربيا.
والقصة إذن ليست عن تخلي الجمهور عن فريقه، بل عن جمهور دفع ثمن حبه مرتين: مرة في المدرج، ومرة في فاتورة الفندق، والسؤال الذي يبقى معلقاً: هل ستصبح رحلات التشجيع العالمية ترفاً لا يقدر عليه إلا أثرياء المجتمع المغربي؟ أم أن التجربة الحالية ستدفع الجماهير للتفكير في حلول وتخفيضات مستقبلاً.
المصدر: شوف تي في