• A- A+

    الصين: ليلة بيضاء بالعاصمة بكين ومشجعون من مختلف الدول

  • بينما كانت آخر عربات مترو الأنفاق قد أنهت دوامها، وبدأت أضواء المباني الشاهقة تخفت تدريجيا في العاصمة الصينية، كان أحد فنادق بكين يسلك مسارا مغايرا. وقبيل منتصف الليل، بدأ المشجعون المغاربة يتوافدون إلى الفندق، يلفون أعناقهم بالأوشحة والعلم الوطني، مرتدين قمصان المنتخب المغربي. كانت المدينة تستعد للنوم، أما هم فاختاروا السهر لمساندة أسود الأطلس.

    وبمبادرة من سفارة المملكة المغربية في بكين، اكتست الأمسية طابع لقاء يجمع أبناء الوطن. وقبل وقت طويل من انطلاق مباراة ثمن نهاية كأس العالم أمام المنتخب الكندي، التي جرت في الساعة الواحدة صباحا بتوقيت بكين، كانت قاعات الفندق تعج بالأحاديث والنقاشات. فقد اجتمع أفراد الجالية المغربية، والدبلوماسيون، والطلبة، ورجال الأعمال، والأسر المغربية، إلى جانب عدد كبير من المشجعين الصينيين الذين حضروا بدورهم لتشجيع أسود الأطلس. وتعارف القادمون الجدد مع المقيمين منذ سنوات، فيما تحول شغف كرة القدم، طوال تلك الليلة، إلى لغة مشتركة تجاوزت الحدود.

  • وتنوعت مسارات الحاضرين بقدر تنوع لهجاتهم. فسيدة قدمت من أكادير لزيارة ابنها، وهو ممثل مغربي مقيم في الصين، تبادلت أطراف الحديث مع طالبة دكتوراه بجامعة تسينغهوا. كما التقى طالب في هندسة الطيران بصاحب مطعم أردني يقيم في بكين منذ عقدين، فيما تبادل دبلوماسيون النقاش مع باحثين شباب، بينما حرص مشجعون صينيون على استفسار أصدقائهم المغاربة عن أبرز محطات تاريخ أسود الأطلس. ولم يكن يجمع هؤلاء، سوى علم واحد، وشغف مشترك بكرة القدم.

    وفي تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء قالت رشيدة الكحيش، المنحدرة من مدينة أكادير إنه “لمن دواعي سروري المشاركة في هذه الأمسية التي نظمتها سفارتنا. نحن بعيدون عن المغرب، لكن بمجرد أن نجتمع بهذه الطريقة نشعر فورا بالقرب الذي يجمعنا”.

    وأضافت أن المسار الذي بصم عليه أسود الأطلس يبعث على اعتزاز خاص، مشيرة إلى أن “رؤية منتخبنا يبلغ هذا المستوى تمنحنا شعورا كبيرا بالفخر. نحن هنا بمثابة اللاعب الثاني عشر. وحتى ونحن على بعد آلاف الكيلومترات، نرغب في إيصال دعمنا وإظهار أن ارتباطنا بالمغرب لا تحده المسافات”.

    من جهتها، أكدت ليلى الصغوري، وهي طالبة دكتوراه في الهندسة المدنية بجامعة تسينغهوا وتنحدر من مدينة سلا، أن هذه المبادرة تتجاوز البعد الرياضي.

    وأبرزت أن “هذه اللقاءات تتيح لنا فرصة الالتقاء بمواطنين مغاربة لا نصادفهم دائما في حياتنا اليومية، كما تعزز روح الانتماء إلى مجتمع واحد. وبالنسبة إلينا كطلبة، فإن هذه المبادرة التي تنظمها السفارة تكتسي أهمية خاصة، لأنها تعكس قربها من المغاربة المقيمين في الصين، وتذكرنا بأننا، رغم بعدنا عن أرض الوطن، لسنا معزولين أبدا. جئنا لتشجيع أسود الأطلس، لكننا نغادر ونحن نشعر بأننا ننتمي إلى أسرة واحدة”.

    وعلى مقربة من الشاشات العملاقة، كان أيمن البكار، الطالب بالسنة الثانية في هندسة الطيران بجامعة بكين للتكنولوجيا، والمنحدر من تارودانت، يتأمل الأجواء التي امتزجت فيها مختلف الأجيال.

    وقال في هذا الصدد “ندرك أننا نعيش مرحلة مهمة في تاريخ كرة القدم المغربية، وتقاسمها هنا مع مغاربة آخرين يمنحها طعما خاصا. الأجواء تشبه أجواء الوطن، وهذا النوع من اللقاءات يقوي الروابط بين الطلبة المغاربة المقيمين في الصين، ويجعلنا نشعر بأننا قريبون من بلدنا رغم آلاف الكيلومترات التي تفصلنا عنه”.

    ولم يقتصر الحضور على المغاربة فقط، بل حرص أصدقاء المملكة أيضا على مواكبة هذا الحدث.

    وتابع أشرف أبو سخن، وهو صاحب مطعم أردني يقيم في العاصمة الصينية منذ عشرين سنة، المباراة بالحماس ذاته الذي أبداه المشجعون المغاربة.

    وقال: “أنا مغربي بالقلب. هذا المنتخب يفرض الاحترام، ويشرف كرة القدم العربية، ويبرهن على أن منتخباتنا قادرة، بالعمل والإصرار، على منافسة أكبر القوى الكروية في العالم”.

    ولم تقتصر التشجيعات على أبناء الجالية المغربية، إذ شارك عدد من المشجعين الصينيين، وهم يرتدون أوشحة وقمصان المنتخب المغربي، في مؤازرة أسود الأطلس. فمنهم من يتابع المنتخب منذ ملحمته التاريخية في مونديال 2022، ومنهم من اكتشف حديثا فريقا أشاد بانضباطه التكتيكي وروحه الجماعية وجودة أدائه. ومع كل هدف مغربي، كانت تصفيقاتهم تمتزج تلقائيا بتصفيقات الجماهير المغربية.

    وما إن أطلق الحكم الإنجليزي مايكل أوليفر صافرة بداية المباراة على ملعب ريلاينت بمدينة هيوستن، حتى خيم الصمت على القاعة، واتجهت الأنظار نحو الشاشات العملاقة، فيما اختفت الهواتف المحمولة من الأيدي.

    وبعد شوط أول اتسم بالحذر، جاء منعرج المباراة في الدقيقة الخمسين، عندما افتتح عز الدين أوناحي التسجيل، لتعلو هتافات الموجودين بالقاعة على أصوات المعلقين. ثم عاد اللاعب نفسه ليضيف الهدف الثاني في الدقيقة الثانية والثمانين، قبل أن يختتم سفيان رحيمي الثلاثية في الوقت بدل الضائع (90+8)، معلنا عن فوز مستحق لأسود الأطلس، واحتفالات مغربية تغنت بتميز رجال المدرب محمد وهبي وروحهم القتالية.

    وخارج القاعة، كانت العاصمة الصينية تستعيد تدريجيا حركتها الصباحية، فيما بدأ الموظفون يتوجهون إلى أعمالهم، بالتزامن مع مغادرة المشجعين المغاربة الفندق.

    وبعد ساعات قليلة، كان بعضهم سيعود إلى مختبره أو مدرج جامعته أو شركته أو مطعمه أو عمله الدبلوماسي. كانت تفصلهم بضع ساعات عن يوم عمل جديد، لكن فرحة الفوز يمنح شعورا بالتغلب على قلة ساعات النوم.

    وهكذا، منح أسود الأطلس للجالية المغربية في بكين أكثر من مجرد تأهل إلى ربع النهاية، إذ ذكروا الجميع بأن انتصارا للمغرب، حتى على بعد أكثر من عشرة آلاف كيلومتر من أرض الوطن، قادر على إيقاف الزمن، وتحويل أحد فنادق العاصمة الصينية، ولو لليلة واحدة، إلى فضاء ينبض فيه قلب جالية بأكملها على إيقاع الوطن.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    العيون: فرحة تجتاح عاصمة الصحراء بعد تأهل الأسود لدور ربع نهائي مونديال 2026